الفيض الكاشاني
235
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
دعا بالجلم فقصّه ، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من عليّ بن الحسين عليهما السّلام ، ولقد دخل ابنه أبو جعفر عليه السّلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه قد اصفرّ لونه من السهر ، ورمصت عيناه [ 1 ] من البكاء ، ودبرت جبهته ، وانخرم أنفه من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة ، قال أبو جعفر عليه السّلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له وإذا هو يفكَّر فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي ، وقال : يا بني أعطني بعض تلك الصحف الَّتي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب فأعطيته فقرأ منها شيئا يسيرا ثمّ تركها من يده تضجّرا ، وقال : من يقوي عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . وعن إبراهيم بن عليّ عن أبيه قال : حججت مع عليّ بن الحسين عليهما السّلام ، فالتاثت الناقة عليه في سيرها فأشار إليها بالقضيب ثمّ قال : آه آه لولا القصاص وردّ يده عنها ( 1 ) . وبهذا الإسناد قال : حجّ عليّ بن الحسين عليهما السّلام ماشيا فسار عشرين يوما من المدينة إلى مكَّة ( 2 ) . وعن زرارة بن أعين قال : سمع سائل في جوف اللَّيل وهو يقول : أين الزاهدون في الدّنيا ، الرّاغبون في الآخرة ؟ فهتف به هاتف من ناحية من البقيع - يسمع صوته ولا يرى شخصه - ذاك عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - ( 3 ) . وسكبت عليه الماء جارية ليتوضّأ للصلاة فنعست فسقط الإبريق من يدها فشجّه فرفع رأسه إليها ، فقالت له الجارية : إنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول : « والكاظمين الغيظ » قال : كظمت غيظي ، قالت : « والعافين عن الناس » قال لها : عفا اللَّه عنك ، قالت : « واللَّه يحبّ المحسنين » قال : اذهبي فأنت حرّة لوجه اللَّه ( 4 ) .
--> ( 1 ) كشف الغمة ص 201 وإرشاد المفيد ص 240 وإعلام الورى ص 255 والالتياث : الابطاء في المشي . ( 2 ) إرشاد المفيد ص 240 وإعلام الورى ص 256 وكشف الغمة ص 201 . ( 3 ) الإرشاد ص 24 وص 242 وكشف الغمة ص 202 وقوله : « ليتوضأ للصلاة » في الإرشاد « ليتهيأ للصلاة » . ( 4 ) الإرشاد ص 24 وص 242 وكشف الغمة ص 202 وقوله : « ليتوضأ للصلاة » في الإرشاد « ليتهيأ للصلاة » . [ 1 ] بالصاد المهملة أي خرجت منها وسخ أبيض . وفي إعلام الورى « رمدت عيناه » .